النويري
10
نهاية الأرب في فنون الأدب
وإيّاك أن تأتيهم أو تتصنّع لإتيانهم أو تحبّ أن يأتوك ، واهرب منهم ما استطعت . وفى كتاب للهند أن رجلا دخل على بعض ملوكهم فقال : أيها الملك ، إنّ نصيحتك واجبة في الصغير الحقير والكبير الخطير ، ولولا الثقة بفضيلة رأيك واحتمال ما يسوء موقعه منك في جنب صلاح العامّة وتلافى الخاصّة لكان خرقا منّى أن أقول ، ولكنّا إذا رجعنا إلى أن بقاءنا مشمول ببقائك ، وأنفسنا معلَّقة بنفسك لم نجد بدّا من أداء الحقّ إليك وإن أنت لم تسلنى ذلك ؛ فإنه يقال : من كتم السلطان نصيحته والأطباء مرضه والإخوان بثّه فقد أخلّ بنفسه . وأنا أعلم أنّ كلّ ما كان من كلام يكرهه سامعه ، لم يتشجّع عليه قائله إلا أن يثق بعقل المقول له ، فإنه إذا كان عاقلا احتمل ذلك ، لأنه ما كان فيه من نفع فإنما هو للسامع دون القائل . وإنك أيها الملك ذو فضيلة في الرأي وتصرّف في العلم ، وإنما يشجّعنى ذلك على أن أخبرك بما تكره واثقا بمعرفتك بنصحى لك وإيثارى إيّاك على نفسي . وقال عمرو بن عتبة للوليد بن يزيد حين تغيّر الناس له : يا أمير المؤمنين ، إنه ينطقنى الأمن منك ، وتسكتنى الهيبة لك ، وأراك تأمن أشياء أخافها عليك ، أفأسكت مطيعا ، أم أقول مشفقا ؟ قال : قل ، مقبول منك ، وللَّه فينا علم غيب نحن صائرون إليه ؛ فقتل بعد ذلك بأيام . وقالوا : ينبغي لمن صحب السلطان ألَّا يكتم عنه نصيحته وإن استقلَّها ، وليكن كلامه له كلام رفق لا كلام خرق ، حتى يخبره بعيبه من غير أن يواجهه بذلك ، ولكن يضرب له الأمثال ويعرّفه بعيب غيره ، ليعرف به عيب نفسه . دخل الزّهرىّ على الوليد بن عبد الملك فقال له : ما حديث يحدّثنا به أهل الشام ؟ قال : وما هو يا أمير المؤمنين ؟ قال : يحدّثوننا أن اللَّه إذا استرعى عبدا